بنت الأصول والحرير شروق خالد

والهدوم (الرخيصة) اللي هي لابساها دي، كانت ‘الموديل’ التجريبي لأول خط إنتاج أزياء للأطفال، ماركة (نور الفجر)، اللي أكبر محلات في مصر والوطن العربي مضت عقود عشان تنفذها بأسعار خيالية.”
هنا سكتت تماماً، وماما وبابا عيونهم برقت من الصدمة. جدتي كملت وهي بتبص لماما وبابا بلوم: “نور سهرت وتعبت وخيطت بإيديها اللي بتستهزئوا بيها دي عشان تبني مستقبلها، ومحبتش تقول لحد عشان كانت عاوزة تثبت نفسها بشغلها مش بمنظرة عيلتكم الكدابة.. والتوكيل اللي أنتم فرحانين بيه في شنطكم وجزمكم، هي دلوقت ‘منافسة’ ليهم.”
جدتي بصت لهنا بابتسامة نصر وقالت لها: “وعلى فكرة يا هنا، الـ 30 ألف جنيه اللي باباكي كان هيستلفهم عشان يدفع لك قسط عربيتك الشهر الجاي.. نور هي اللي كانت موافقة تدفعهم من أول شيك استلمته من شغلها، بس بعد اللي سمعته دلوقت، أنا اللي همنعها إنها تدفع مليم واحد لواحد بيقل منها.”
هنا وشها بقى أبيض زي الورقة، وبدأت تتلعثم: “يا نينة.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. نور حبيبتي، أنا كنت بهزر معاكي والله!”
نور مسحت دمعتها اللي نزلت، ورفعت راسها بكل ثقة وبصت لخالتها وقالت لها بهدوء: “هزارك عرفني مين اللي بيفرح لنجاحي ومين اللي بيحب المظاهر يا خالة.. شكراً إنك عرفتيني قيمتي عندك.”
جدتي خدت نور في حضنها وقالت للكل: “العيلة اللي متبنيش في ولادها الثقة والتقدير، متبقاش عيلة.. نور هي اللي هتشيل اسمنا بجد، مش اللي بيلمعوا من بره وفاضيين من جوه.”
الجو قلب في ثانية، والكل بدأ يحاول يتقرب من نور ويصالحها، بس هي فضلت ماسكة إيد جدتي، الست الوحيدة اللي شافت “النور” اللي في إيديها قبل ما الدنيا كلها تشوفه.
وخلصت الحكاية بدرس الكل حفظه: “أوعى تستهين بحد عشان بسيط، لأن البساطة ساعات بتبقى هي القناع اللي وراه نجاح مبيتحكيش عنه.. بس بيتحس.”
بعد ما جدتي فاطمة خلصت كلامها، الصمت اللي كان في الصالة اتحول لوشوشة وهمهمات مكسوفة. هنا كانت واقفة مكانها، والشنطة الماركة اللي كانت فخورة بيها بقت تقيلة على إيدها، كأنها شايلة جبل من الخجل.
ماما حاولت تلطف الجو، قربت من نور بابتسامة باهتة وقالت: “يا حبيبتي يا نور.. والله يا بنتي أنا كنت عارفة إنك شاطرة، بس مكنتش متخيلة إن الموضوع كبر كدة! مبروك يا قلب ماما.”
نور بصت لماما بهدوء ملهوش وصف، وقالت لها: “الله يبارك فيكي يا ماما.. بس كان نفسي تباركي لي وأنا لابسة (الهدوم الرخيصة) قبل ما تعرفي إن وراها عقود وملايين.”
الكلمة كانت زي القلم على وش كل واحد ضحك في الصالة. جدتي فاطمة كملت بضربة أخيرة وقالت: “نور قررت إن أول عرض أزياء ليها، العارضات فيه هيكونوا بنات من دور الأيتام، وهتتبرع بنص الأرباح ليهم.. عشان هي عارفة يعني إيه قيمة الستر، مش قيمة المنظرة يا هنا.”
بابا قرب من نور وهو مطأطأ راسه، وحاول يطبطب على كتفها: “سامحينا يا بنتي.. إحنا غرتنا الدنيا ومظاهرها الكدابة.”
نور باست إيد جدتها وقالت بصوت واثق: “أنا مش زعلانة يا بابا.. أنا بس عرفت إن الهدوم اللي بنخيطها بإيدينا هي اللي بتسترنا بجد، مش الماركات اللي بنشتريها عشان نرضي الناس.”
هنا حاولت تقرب وتعتذر تاني، بس جدتي وقفتها بإيدها وقالت: “الاعتذار مبيصلحش اللي اتكسر يا هنا، لكن الفعل هو اللي بيصلح.. من النهاردة، مفيش حد في العيلة دي هيتكلم عن المظاهر قدامي، واللي عاوز يتمنظر، يتمنظر بأدبه وشغله.”
نور خدت جدتها وخرجوا للجنينة يكملوا الاحتفال بعيد ميلاد الجدة الحقيقي، بعيد عن الزيف والتمثيل. ومن اليوم ده، “نور” مابقتش بس البنت الهادية اللي بتخيط هدومها، بقت “أيقونة” في العيلة.. وكل ما حد يشوفها لابسة حاجة بسيطة، يسكتوا تماماً، لأنهم عرفوا إن البساطة دي هي اللي صنعت “إمبراطورية” عجزت شنطهم الغالية إنها تشتري زيها.
وخلصت الحكاية، ونور علمت الكل إن “الخيط والإبرة” في إيد ست أصيلة، أحسن بكتير من “الدهب والماس” في إيد ناس فاضية من جوه.
بنت الأصول والحرير
شروق خالد








