بنت الأصول والحرير شروق خالد

أختي شدت بنتي اللي عندها 12 سنة لوسط الصالة وقالت بصوت عالي قدام الكل: “يا جماعة، رحبوا معايا بنت أختي (المعفنة).. لابسة هدوم رخيصة ومقشفة هي اللي مخيطاها لنفسها..”
وفجأة، جدتي قامت من الكرسي بالراحة..
البيت كله سكت سكتة واحدة.
بصت في عين أختي وقالت لها بكلمة واحدة هزت الحيطان: “أنتي متعرفيش دي مين.. ولا قيمتها إيه.”
وبعدها قالت سر خلى الضحكة تتمحي من على وشوش الكل.
الموضوع بدأ لما كنا في بيت عيلة بابا وماما بنحتفل بعيد ميلاد جدتي الـ 75. وطبعاً عيلتنا مابتعرفش تحتفل في هدوء، كل مناسبة لازم تتحول لـ “عرض أزياء” ومنظرة.
أختي الكبيرة “هنا” دخلت البيت وكأنها نجمة سينما.. ريحة برفيوم غالي مسمعة في الشارع كله، وكعب جزمها بيخبط في الأرض بعنجهية، وماسكة شنطة ماركة كأنها شايلة كنز.
أما أنا، فدخلت ومعايا بنتي “نور”.. عندها 12 سنة، هادية، وطول عمرها إيديها بتلف في حرير وبتحب تخلق حاجات من مفيش. كانت لابسة فستان كحلي رقيق فيه ورد أبيض صغير، هي اللي فصلاه ومخيطاه بنفسها. سهرت طول الليل عشان تخلصه، وسألتني بخوف: “شكلي حلو يا ماما؟”
قولتلها: “زي القمر يا حبيبتي”.. وفعلاً كانت زي القمر، وبإمكانياتنا البسيطة.
يا دوب خطينا جوه الصالة، عيون “هنا” لقطت نور.
قالت بصوت عالي ومستفز: “يا خبر! إيه ده؟ هو الفستان ده تفصيل بيتي؟”
حسيت بإيد نور بتضغط على إيدي بخوف.
قولتلها بهدوء: “يا هنا، مش وقته..”
بس هنا كانت عاوزة تعمل نمرة قدام قرايبنا اللي واقفين بالتورتة والعصاير. سحبت نور من إيديها بقوة لوسط الصالة وقالت بضحكة صفرا: “يا جماعة! بصوا شوفوا (بنت أختي المبهدلة).”
الكلمة كانت تقيلة أوي.. نور اتسمرت مكانها، وشها جاب ألوان بس عينيها كانت بتلمع بالدموع اللي حابساها بالعافية.. كانت متعلمة مني إنها ماتبكيش قدام حد يكسرها.
كملت هنا تريقة: “هي اللي بتخيط الهدوم الرخيصة دي لنفسها.. بصراحة، البنت دي مالهاش مستقبل.”
كام حد من القرايب ضحكوا، وبابا وماما ضحكوا معاهم.. ماما غطت بوقها كأنها حركة ظريفة، وبابا هز راسه بابتسامة وكأن إهانة طفلة ده شيء ملوش لازمة.
قربت منها وقولت بحدة: “سيبيها يا هنا.”
هنا شورت بإيدها كأنها بتطرد دبانة: “ارتاحي يا نورا، ده مجرد هزار.”
رديت عليها بقوة: “ده اسمه تنمر وقلة ذوق.”
هزت راسها وقالت: “لو هي عاوزة تلبس زي شحاتين الروبابيكيا، يبقى لازم تنشف وتستحمل الكلام.”
نور كانت بتترعش، ورفعت كتافها كأنها بتحاول تسند نفسها..
وفي اللحظة دي، جدتي “فاطمة” قامت.
مقامتش بسرعة ولا زعقت، بس صوت خبطة كرسيها في الأرض خلى الصالة تسكت في ثانية. حتى هنا سكتت وهي مش فاهمة في إيه، لأن جدتي نادراً لما بتدخل في خناقات.
جدتي قربت ببطء وبخطوات ثابتة رغم سنها.. بصت لنور بحنان، وبعدين لفت وشها لهنا.
قالت ببرود يهز جبال: “أنتي فعلاً متعرفيش دي مين.”
هنا ضحكت بتوتر: “يا نينة، جرا إيه! بنهزر.”
جدتي فضلت باصة لها بحدة: “لا.. أنتي متعرفيش نور كانت شغالة على إيه طول السنة اللي فاتت. متعرفيش هي حققت إيه، والأهم إنك متعرفيش أنتي عملتي في نفسك إيه دلوقت.”
ماما ضحكتها اختفت: “يا ماما، قصدك إيه؟”
جدتي رفعت راسها وقالت للكل بصوت مسموع: “كلكم لازم تسمعوا.. لأني هقولكم حاجة عن نور، وحاجة عن العيلة دي، هتخليكم من النهاردة تغيروا طريقتكم معاها تماماً.”
السكون كان رهيب.. مكنش فيه غير صوت نَفَس الناس.
ولما جدتي نطقت بالسر وكشفت الحقيقة، الوشوش كلها جابت ألوان، وأختي “هنا” وشها بقى أبيض من الصدمة.
حكايات شروق خالد
جدتي فاطمة بصت لهنا وطلعت من جيبها الموبيل، وفتحت فيديو كان متصور لنور وهي في “أتيليه” كبير ومن حواليها ناس ببدل رسمية وخبراء أزياء بيسقفوا لها.
قالت جدتي بصوت مسموع: “البنت (المعفنة) اللي بتتريقي عليها دي يا هنا، هي أصغر مصممة أزياء فازت بمنحة (المواهب الذهبية) في المسابقة الرسمية اللي اتعملت تحت رعاية وزارة الثقافة..








