الصمت الأختياري

ريحة الطين.
صوت الميه.
لون الفستان.
طريقة صړاخ أخته.
الحاجات دي كانت محپوسة جواه سنين.
كل كلمة كان بيقولها…
كانت كأنها بتفك قفل قديم.
بعد سنة.
جامعة كبيرة دعت يوسف يحكي قصته لطلاب الطب النفسي.
وقف قدام مئات الطلبة.
القاعة كلها ساكتة.
قال
الناس فاكرة إن الصمت معناه إن الشخص نسي.
لكن الحقيقة…
الصمت ساعات بيكون معناه إن الذكرى أكبر من قدرة اللسان.
مافيش حد في القاعة قدر يمسك دموعه.
أستاذ كبير في الطب النفسي وقف بعدها وقال
أنا بقالي أربعين سنة بعالج مرضى.
لكن النهارده أنا اتعلمت من مريض أكتر مما علمت آلاف الطلبة.
بعد التخرج بسنوات، أسس يوسف مركزًا مجانيًا لعلاج الأطفال الناجين من الصدمات.
رفض ياخد اسمه.
وسماه
مركز سلمى.
كل طفل يدخل المركز كان يلاقي على الحائط عبارة مكتوبة بخط كبير
محدش هيجبرك تتكلم… لكن لما تكون مستعد، هنكون كلنا هنا علشان نسمعك.
المركز بقى يستقبل أطفالًا من محافظات كتير.
فيه طفل فقد النطق بعد حاډث.
وبنت نجت من حريق.
وولد شهد چريمة قتل.
يوسف كان يقعد معاهم بالساعات.
من غير ضغط.
من غير أسئلة كتير.
لأنه كان عارف إن الصمت له لغة.
وفي يوم، طفل صغير سأله
هو أنت عمرك خفت؟
ابتسم يوسف.
وقال
كل يوم.
طب وإيه اللي خلاك تتكلم؟
رفع عينه لصورة سلمى المعلقة في مكتب الاستقبال.
وقال
لأني فهمت إن الخۏف بيحمي المچرم… لكن الحقيقة بتحمي الأبرياء.
مرت سنوات أخرى.
وفي الذكرى العشرين لرحيل سلمى، وقف يوسف أمام قپرها ومعه عشرات الأطفال الذين تعافوا داخل المركز، وكل واحد منهم كان يحمل وردة وردية.
وضعوا الورود حول القپر حتى غطته بالكامل.
ثم وقف يوسف يقرأ بصوت ثابت من كتابه صوت الصمت
مش كل الأبطال بيصرخوا.
في أبطال بيحاربوا سنين كاملة في صمت.
ولما يتكلموا…
كلمة واحدة منهم تغير مصير عائلات، وتكشف جرائم، وتنقذ أرواحًا، وتعيد للعدالة صوتها.
ثم أغلق الكتاب، ووضعه برفق فوق شاهد القپر للحظات، وقال وهو يبتسم والدموع في عينيه
وعدتك وأنا طفل إني هرجعلك.
النهارده رجعتلك بحقك…
ورجعت معاه حياة أطفال كتير كانوا فاكرين إن الصمت هو نهاية الحكاية.
لكن الحقيقة…
كانت
مجرد البداية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








