قصص

هناك فتاة صغيرة وفقيرة تعيش مع أمها في شقة مستأجرة

كانت هناك فتاة سوداء صغيرة وفقيرة تعيش مع أمها في شقة مستأجرة متواضعة وتجرؤ على القول إن والدها جنرال بأربع نجوم. بالنسبة لكثيرين كان هذا أكبر نكتة سمعوها طوال العام. السيدة غارسيا لم تكتف برفض مقالة أميرة عن والدها البطل بل مزقتها شر تمزيق ورمت القصاصات على الأرض. في هذه المدرسة الثانوية النخبوية كان لون بشرة أميرة وصمتها يجعلها هدفا سهلا.

وصمت بالكاذبة واللا شيء ودفعت لتصدق أنها لا تستحق سوى الخزي والفقر. لكن في اللحظة التي ظن فيها الجميع أنهم حددوا مصيرها بدأ كل شيء يهتز لأن والدها كان في طريقه إلى البيت. وعندما يدخل من تلك الأبواب سيتمنى جميع من في المدرسة لو أنهم لم يقتربوا منها قط.
كانت الواجبات بسيطة اكتب عن بطل في حياتك. لكن في صف اللغة الإنجليزية المتقدم للسيدة أغاثا غارسيا في ثانوية جيفرسون لم يكن هناك شيء بسيط حقا. صور شعراء موتى تصطف على الجدران تحدق في الطلاب بنظرات متحفظة. كل واجب كان حقل ألغام واليوم كانت أميرة جونسون على وشك أن تطأ اللغم.

 

مقالات ذات صلة

ساد الصف هدوء لا يسمع فيه سوى تكتكة الساعة على الحائط وخدش الأقلام على الورق. كانت السيدة غارسيا المعلمة المخضرمة ترتدي عقد لؤلؤ يبدو كحبل يشتد حول عنقها وابتسامة لا تصل أبدا إلى عينيها الباردتين المحسوبتين. تجلس خلف مكتب خشبي فخم كقاضية على منصة تمسح الصف بنظرات تبحث عن نقطة ضعف. هي تكره الضعف.
وبشكل أدق تكره أي شيء يهدد التفوق التقليدي لثانوية جيفرسون.
قالت بصوت مغموس بعسل مصطنع

 

بريستون ما رأيك أن تبدأ أنت أظن أن الفصل كله سيستفيد من سماعك تتحدث عن آخر إسهامات والدك في مجلس الشيوخ.
وقف بريستون ثورن. تمدد واقفا بخفة الواثق الذي يشعر أن المكان ملكه. قرأ مقالته بنبرة مدربة. كانت مقالة مصقولة سطحية عن والده السيناتور تشارلز ثورن الذي مرر مشروع قانون لتمويل طرق سريعة جديدة. كانت مليئة بعبارات رنانة مثل الواجب المدني والبنية التحتية لكنها بلا روح. عندما انتهى أشرقت السيدة غارسيا ابتهاجا
ممتاز يا بريستون. مثال رائع للقيادة والإرث. درجة A.
جلس بريستون وألقى نظرة متعالية عبر الصف. تحرك الطلاب في مقاعدهم. كانوا يعرفون النمط. أبناء الأغنياء ينالون المديح. أبناء المنح الدراسية ينالون التدقيق.
قالت السيدة غارسيا وقد اختفى الدفء من صوتها فجأة
أميرة جونسون.

 

تحول صوتها إلى نبرة باردة حادة.
دورك يا أميرة.
وقفت الفتاة السوداء ببطء وانزلق كرسيها على الأرضية البلاستيكية محدثا صوتا قاسيا في الصمت. مررت يديها على الورقة لتفردها. أصابعها كانت ترتجف قليلا لا خوفا بل من ثقل ما كتبت. أخذت نفسا عميقا تستحضر الانضباط الذي علمها إياه والدها.
بطلي هو والدي الجنرال دومينيك جونسون قالت أميرة بصوت ثابت وواضح.
على كتفيه أربع نجوم لكنه يحمل في قلبه ثقل العالم.
همس بعض الطلاب. أطلق بريستون ضحكة قصيرة ساخرة. ارتفعت حاجبا السيدة غارسيا حتى اختفيا خلف غرتها المنسقة بعناية. تابعت أميرة متجاهلة رد الفعل
خدم في الجيش الأمريكي اثنين وثلاثين عاما. تعلمت أن الشرف شيء صامت. هو صمت بيت حين يغيب عنه الأب لأنه يحمي حرية أناس لن يعرفوا اسمه يوما.
كانت تقرأ بقوة صادقة

 

 

لا يمكن إنكارها. للحظة نسي الصف الفوارق الطبقية. انشد الطلاب للصورة التي ترسمها عن ذلك المحارب الصامت.
توقفي.
تجمدت أميرة.
نعم يا أستاذة
وقفت السيدة غارسيا وغادرت مكتبها. وقع كعبيها على الأرض الصلبة كان كطلقات تقترب من هدفها. توقفت على بعد سنتيمترات من طاولة أميرة. نظرت إليها من رأسها حتى قدميها توقفت عند مقدمة حذائها المبقع ثم عند أطراف كنزتها البالية.
يا أميرة هذا تكليف للكتابة الإبداعية لا ورشة لكتابة الخيال قالت بصوت منخفض قاس.
هذا ليس خيالا يا أستاذة. هذه الحقيقة ردت أميرة رافعة ذقنها.
الحقيقة أطلقت السيدة غارسيا ضحكة جافة بلا أي أثر للمرح. استدارت نحو الصف وأشارت إلى أميرة كما لو كانت قطعة معروضة في متحف للفشل.
يا طلاب ليكن هذا درسا في الواقعية. الجنرالات في الجيش الأمريكي هم نخبة النخبة. رجال أصحاب مكانة واتصالات واسعة. يسكنون قصورا تاريخية في جورجتاون أو في مساكن فخمة داخل القواعد العسكرية. أبناؤهم يدرسون في مدارس خاصة في سويسرا أو في واشنطن العاصمة.
ثم التفتت إلى أميرة وضاقت عيناها
لا يعيشون في شقق مستأجرة في الجهة الجنوبية من المدينة ولا يرسلون بناتهم إلى المدرسة وهن يرتدين بهذا الشكل.
ظلت الإهانة معلقة في الهواء ثقيلة خانقة. لم تستخدم شتيمة مباشرة لكن الرسالة كانت واضحة أنت فقيرة. أنت سوداء. أنت لا شيء.
والدي يحب البساطة قالت أميرة وصوتها يشد نفسه بصعوبة. لا يهتم بالمظاهر. يهتم بالواجب.
كفى أكاذيب قطعتها السيدة غارسيا بحدة وسقط قناع اللطف تماما.
هذا مثير للشفقة يا أميرة. أنا أفهم أن نشأتك في بيت مكسور صعبة. وأفهم أنك تحاولين اختراع شخصية أب يسد الفراغ لكن أن تقفي هنا وتكذبي في وجهي وتسيئي لرجال حقيقيين بخدمتهم وتدعي رتبتهم لنفسك هذا مقزز.
أنا لا أكذب قالت أميرة بصوت أعلى. هو جنرال بأربع نجوم. وهو حاليا
خطفت السيدة غارسيا الورقة من يد أميرة بعنف مفاجئ جعل أميرة تلهث. رفعت المقالة في الهواء كما لو كانت قمامة.
هذا قالت وهي تنظر إلى الورقة باشمئزاز إهانة لهذه المؤسسة.
ثم مزقتها. لم تكتف بتمزيقها مرة واحدة. وضعت النصفين فوق بعضهما ومزقتهما مرة بعد مرة وهي تحافظ على تواصل النظر مع أميرة طوال الوقت من دون أي أثر للرحمة. تساقطت القصاصات على مكتب أميرة كأوراق ميتة.
ستعيدين كتابة الواجب أعلنت وهي تنفض يديها كما لو تخلصت من شيء ملوث.
وهذه المرة اكتبي عن شيء حقيقي. اكتبي عن معاناة أمك أو واقع حيك. اكتبي عما تعرفينه. ولا تسرقي حياة من هم أفضل منك.
وقفت أميرة مشلولة وقلبها يخبط في صدرها كطائر محبوس. كانت مرارة الظلم تحرق حلقها ساخنة لاذعة. لكنها لم تبك. رفضت أن تمنح غارسيا متعة رؤية دموعها. جلست ببطء تحدق في بقايا المقالة التي كتبتها لتمجيد والدها.
رن الجرس. أسرع الطلاب في جمع حقائبهم هاربين من التوتر الثقيل. تجنبوا النظر إلى طاولتها. لا أحد يريد أن يرى بالقرب من الهدف. عادت السيدة غارسيا إلى مكتبها وبدأت تصحح ورقة أخرى كأن أميرة لم تعد موجودة.
انتظرت أميرة حتى كاد الصف يفرغ ثم بدأت تجمع القصاصات الصغيرة. مدت يدها نحو القطعة التي تحمل كلمة شرف. فجأة سقط ظل على مكتبها. كان بريستون ثورن. وقف فوقها حقيبته الجلدية معلقة على كتفه.
للحظة خاطفة ظنت أميرة أنه ربما سيقول شيئا لطيفا. لعله ابن الرجل القوي يفهم ثقل التوقعات. نظر إلى القصاصات ثم نظر إليها. ارتسمت على وجهه ابتسامة بطيئة قاسية.
أربع نجوم تمتم ساخرا. كان عليك أن تكوني أكثر تواضعا يا جونسون. ربما رقيب هذا سيكون أكثر تصديقا لفئتك.
رفع حذاءه الجلدي الغالي ووضعه عامدا فوق كومة الورق الممزق وداس عليها ساحقا كلمة شرف بطبعة طينية قبل أن يدير ظهره ويمضي.
في المدارس تنتشر الأخبار أسرع من الضوء أما الخبث فينتشر أسرع من كليهما. بحلول وقت الغداء تحولت قصة المقالة الممزقة إلى أسطورة مشوهة. لم يكتف بريستون بترك الشائعات تنتشر بل صاغها بنفسه. كان مهندس الرواية.
في وسط المقصف حيث الطاولة العالية المحجوزة لقادة الفرق الرياضية ورؤساء مجلس الطلبة جلس بريستون يدير جلسة الحكم. لم يحتج إلى الصراخ. كان يكتفي بأن يميل بجسده للأمام يخفض صوته ويترك السم يتسرب.
بصراحة الموضوع محزن قال بنبرة مليئة بالتمثيل مرتفعا بما يكفي ليسمعه من حوله.
مكتب والدي تحقق من الموضوع. لا يوجد أي جنرال جونسون. أمها كانت خادمة طردت لأنها سرقت أدوات فضية من بيت دبلوماسي. الفتاة مسكينة مشوشة. تظن أنها إذا كذبت بما يكفي ستصبح واحدة منا.
كانت الكذبة أنيقة في قسوتها تلعب بسلاسة على أحكام الطلاب الأغنياء المسبقة. حولت أميرة من ضحية إلى مخادعة والمخادعون لا يستحقون تعاطفا.
في أقصى المقصف جلست أميرة وحدها على طاولة صغيرة قرب سلال القمامة. جعلت ظهرها للحائط عادة علمها إياها والدها لا تتركي ظهرك مكشوفا. فتحت علبة طعام بلاستيكية فيها أرز وفاصولياء. انحنى رأسها فوق كتاب عن الاستراتيجية العسكرية. أحست بالعيون فوقها وبثقل الهمسات. كان الأمر يشبه ضغط الهواء قبل العاصفة.
راقبها بريستون من بعيد. لم يكن يكرهها لأنها سوداء أو فقيرة فقط رغم أن ذلك كان عذرا مريحا. كان يكره هدوءها. حتى بعد أن حطمت غارسيا واجبها وبعد أن ضحكت المدرسة كلها عليها جلست تأكل بقايا طعامها بجلوس ملكة. نظر إلى طبقه طعام فاخر من مطعم راق ولم يشعر بشيء سوى فراغ مزعج.
ذلك الصباح اتصل به والده لا ليسأله عن دراسته بل ليصرخ بشأن خدش على سيارة البورش
أنت مهمل ضعيف. هل تعرف ماذا أفعل لأبقي هذه العائلة واقفة
شعر بريستون بالصغر. رؤية أميرة تبدو كبيرة في صمتها جعلته يريد تحطيم شيء ما.
وقف. ساد الصمت المقصف في لحظة. كان هذا تأثير ثورن. حين يتحرك الأمير يلتفت الرعايا. التقط علبة حليب من صينية أحد المستجدين وهو يمر. شق طريقه ببطء نحو طاولة أميرة. كان يمشي كسمكة قرش في مياه ضحلة.
لم ترفع أميرة رأسها إلا عندما سقط ظله على كتابها. أغلقت الكتاب بهدوء. لم ترتبك لم تسارع إلى جمع أغراضها. اكتفت بالنظر إليه بعينيها الداكنتين الهادئتين.
أستطيع مساعدتك سألت بنبرة ثابتة تخلو من الخوف الذي يبحث عنه.
فقط أتفقد حالة المحتاجين قال وهو يبتسم. كانت ابتسامة مفترس كلها أسنان.
سمعت عن والدك الجنرال. رتبة ثقيلة على شبح أليس كذلك
والدي حقيقي يا بريستون. أكثر واقعية من أخلاقك ردت أميرة.
شهقت الطاولة المجاورة. لا أحد يتحدث مع بريستون بهذه الطريقة. ارتجفت ابتسامته. نبض عرق في صدغه.
لسانك أكبر من المكان الذي تستحقينه. السيدة غارسيا كانت محقة. أنت سيئة. تلوثين هذا المكان بأكاذيبك.
فتح علبة الحليب.
أبي يقول إن الكاذبين يحتاجون إلى تطهير تمتم وهو يقلب العلبة. ثم قلب معصمه فجأة.
انسكب الحليب الأبيض على رأس أميرة غمر شعرها سال على وجهها تقاطر على كنزتها وكتابها المفتوح. كان باردا ومهينا. جلست أميرة بلا حراك. قبضت يديها تحت الطاولة حتى انغرست أظافرها في كفيها. انضباط. انضباط. لا تردي. إن تشاجرت أنت الخاسرة.
أووه زلة قال بريستون وهو يرمي العلبة الفارغة على طعامها.
انزلقت من يدي.
انتظر أن تبكي. انتظر أن تصرخ أن تضربه أن تعطيه ذريعة لتدميرها بالكامل. كان يريد رد فعل. يريد أن يراها تنكسر ليشعر هو بأنه كامل. لكن أميرة لم تنكسر. أخذت منديلا. مسحت عينيها. وقفت والحليب يقطر من ذقنها على الأرض.
انتهيت يا بريستون سألت.
أم تريد أن يشتري لك والدك جمهورا أكبر
كان الصمت في المقصف مطبقا. ثقيلا خانقا. أدار الطلاب وجوههم إلى هواتفهم وأحذيتهم أي شيء بعيد عن المشهد. المراقب عند الباب رأى كل شيء ولم يتحرك. فجأة صار مهتما ببقعة على الحائط. احمر وجه بريستون. ربح المواجهة الجسدية لكنه خسر النفسية. تلقت ضربته الأقوى وتعاملت معه كإزعاج لا أكثر.
اخرجي من وجهي همس وهو يقترب منها مستغلا طوله ليخيفها.
قبل أن أجعلك تندمين.
سارت أميرة من جانبه. لم تركض. مشت بخطوة عسكرية متزنة حاملة صينية طعامها التالف إلى سلة القمامة. أفرغتها وضعت الصينية على الكومة وغادرت المقصف عبر البابين المزدوجين.
ركل بريستون الكرسي الذي كانت جالسة عليه. انزلق بعيدا وارتطم بالحائط.
ماذا تنظرون صرخ.
عاد الضجيج إلى المقصف فجأة. الجميع يهرعون إلى التظاهر بأن شيئا لم يحدث.
حبست أميرة أنفاسها حتى وصلت إلى حمام البنات في الدور الثاني. اندفعت إلى المغسلة تغسل وجهها بالماء البارد تحاول أن تزيل رائحة الحليب ولسعة الإهانة. رفعت رأسها إلى المرآة والماء يقطر من رموشها.
ابنة الجنرال لا تبكي همست لنفسها وصوتها يرتعش لأول مرة.
اثبتي.
مدت يدها إلى ورق التجفيف. هناك رأته. مكتوبا على الزجاج بأحمر شفاه فاقع بخط حاد غاضب كلمتان حطمتا تماسكها
اخرجي بره.
لكن كل ما تحملته أميرة لم يكن كافيا بعد لإرضاء بريستون.
غرفة تبديل ملابس البنات تضج بفوضى أربعين مراهقة يغيرن ثيابهن. أبواب الخزائن تنغلق كطلقات معدنية والضحكات ترتد عن الجدران المكسوة بالبلاط. لكن حول أميرة كان هناك طوق فراغ غير معلن دائرة صمت بقطر متر لا أحد يجرؤ على اختراقها. أبقت رأسها منخفضا مركزة على ربط رباط حذائها.
على بعد ثلاثة صفوف كانت كلوي تعبث بحقيبة رياضتها. يداها ترتجفان. في كفها شيء ثقيل دافئ من شدة قبضتها عليه ساعة رولكس
ذهبية ذات إطار مرصع بالماس تساوي أكثر من سيارة متوسطة. قبل عشر دقائق فقط دسها بريستون في يدها في الممر.
حطيها في حقيبتها أمرها بنظرات حادة.
لكن هذه ساعة والدك. هدية التخرج قالت كلوي بخوف.
إنها مجرد أداة يا كلوي قال بازدراء وهو يعدل رابطة عنقه أمام خزانة الكؤوس.
لا يهم كم ثمنها يهم ماذا ستشتري لي. واليوم ستشتري إدانة. انطلقي.
ابتلعت كلوي ريقها. لم تكن تريد فعل ذلك لكنها كانت

خائفة من خسارة مكانها على الطاولة العالية. انتظرت حتى استدارت أميرة لتدفع زي الرياضة إلى قاع خزانتها. في تلك اللحظة القصيرة من شرودها مرت كلوي بقرب حقيبة ظهر أميرة المفتوحة على المقعد. كان الصوت خافتا غطاه صوت باب خزانة أغلق بقوة قريبا منهم.
انزلقت الساعة الذهبية عميقا في الجيب الأمامي من الحقيبة القماشية البالية وسط الأقلام ونسخة مهترئة من كتاب فن الحرب. الفخ أصبح جاهزا.
بعد دقيقتين فتح باب غرفة الملابس بعنف. عم الصمت فجأة. وقفت السيدة أغاثا غارسيا في المدخل. لم تبد كمعلمة. بدت كقائدة حملة مداهمة. جالت بنظراتها في المكان شفاهها مشدودة في خط احتقار.
لا أحد يغادر أعلنت.
وصلنا بلاغ عن سرقة. سرقة خطيرة.
تبادلت البنات نظرات مرتبكة. وقفت أميرة ببطء علقت حقيبتها على كتف واحدة. عقدة باردة تكونت في معدتها. أدركت بغريزة الجندي أنها كمين.
السيدة غارسيا قالت طالبة شجاعة سنتأخر عن الحصة
صمتا قطعتها. تقدمت إلى الداخل وصوت كعبيها يرن ominously. لم تفتش بنات الأغنياء قرب المرايا ولم تقترب من المشجعات. سارت في خط مستقيم تشق الصفوف ككاسحة جليد متجهة مباشرة إلى أميرة.
أميرة جونسون قالت متوقفة على بعد قدمين.
أفرغي حقيبتك.
نظرت إليها أميرة
لماذا
لأن بريستون ثورن فقد ساعته. ومن الغريب أن عدة طالبات رأينك قرب خزانته قبل الحصة.
هذا كذب قالت أميرة بثبات متوتر. لم أقترب من خزانته. لم أقترب منه أصلا. أنا أتجنبه.
الدفاع المفرط علامة على الذنب ردت غارسيا ببرود ومدت يدها المزينة بأظافر مثالية
أعطيني الحقيبة وإلا استدعيت الشرطة حالا.
ترددت أميرة. تعرف أنها بريئة. لا شيء تخفيه. إن رفضت ستبدو مذنبة. إن وافقت تبقى شريفة أمام نفسها. سلمتها الحقيبة ببطء. أخذتها غارسيا بابتسامة ساخرة. لم تفتش. لم تقلب الأشياء. مدت يدها مباشرة إلى الجيب الأمامي وكأن معها خريطة. أخرجت الرولكس. لمع الذهب تحت الأضواء الفلورية كأنه سلاح حكم نهائي. شهقت غرفة الملابس دفعة واحدة.
لم أضعها هناك قالت أميرة فورا وقلبها بدأ يدق بعنف.
لم آخذها. شخص ما وضعها في حقيبتي.
نظرت غارسيا إلى الساعة ثم إلى أميرة. في تلك اللحظة لم تر معلمة فتاة في السادسة عشرة. بل رأت شبحا من ثلاثين سنة مضت المرأة السوداء الجميلة الشابة التي عملت معها في نفس المكتب والتي شعرت أغاثا أن الجميع صار يفضلها عليها وأن حضورها القوي سحب البساط من تحت قدميها. في مخيلتها كانت تلك المرأة قد سرقت مكانتها وفرصها واحترام الناس لها فبقي الجرح مفتوحا يسكب حقدا قديما على الحاضر. صبت كل ذلك على الطفلة الواقفة أمامها
طبعا لم تفعلي همست غارسيا وصوتها يرتجف غيظا.
أنتم لا تتحملون المسؤولية أبدا أليس كذلك دائما هي مكيدة. دائما تلفيق.
اقتربت منها اقتحمت مساحتها الخاصة. كان عطرها الثقيل يخنق الهواء.
أمثالكم همست بصوت لا يسمعه سواهما.
تأتون إلى مدارسنا تمشون في ممراتنا وكأن المكان ملككم. لكن في أعماقكم أنتم متشابهون. لا تتحملون رؤية أشياء جميلة ليست لكم. ترون شيئا يلمع ذهبا لا تستطيعون شراءه فلا تملكون سوى أن تسرقوه. تريدون سرقة حياتنا لأن حياتكم فارغة.
لا أريد ساعته قالت أميرة وصوتها يرتعش من كظم الصراخ. لا أريد ماله. والدي علمني أن الشرف أثمن من كل ذهب.
ضحكت غارسيا ضحكة حادة
والدك الجنرال الوهمي تسرقين ساعة لتثبتي أنك ثرية وتختلقين أبا لتثبتي أنك ذات قيمة. أنت محتالة يا أميرة جونسون. سارقة وكاذبة.
التفتت للفتيات رافعة الساعة كغنيمة
انظرن. هذا ما يحدث عندما نخفض معاييرنا. هذا ما يحدث عندما نسمح لهم بالدخول.
أمسكت ذراع أميرة بقوة مفاجئة
إلى مكتب المدير. الآن.
ترنحت أميرة وهي تسحب. لم تقاوم جسديا. لو فعلت لانتهى كل شيء. لكن عينيها ظلتا جافتين. لن تهديهم دموعها. مشت مرفوعة الرأس حتى وهي تساق كأسرى الحرب.
خرجتا إلى الممر الرئيسي. كان الجرس قد قرع والممرات تغص بالطلاب. عندما مرتا قرب خزانة الكؤوس رأته. بريستون ثورن مسنودا إلى الخزائن محاطا بزملائه يبدو مسترخيا مل من العرض لم يكن يبحث عن ساعته المسروقة بل كان يراقب المسرحية. عندما مرت أميرة التقت عيونهم. مال بنظره نحو السيدة غارسيا الراشدة المسؤولة عن حماية الطلاب ومنحها غمزة بطيئة متعمدة. شدت غارسيا قبضتها على ذراع أميرة وردت بإيماءة صغيرة بالكاد ترى.
ضرب الإدراك أميرة كصفعة أقوى من ضربة بريستون لم يكن هذا مجرد متنمر. إنها عملية مشتركة. ابن سيناتور ثري ومعلمة حاقدة لا يقفان في الصف نفسه فحسب بل هما شريكان. تحالف شيطاني مكتوب بحبر الامتياز ودم كرامتها.
وبينما كان باب مكتب المدير هايز يقترب كفم وحش فهمت أميرة أنها تمشي إلى محاكمة حسم الحكم فيها قبل أن تدخل.
كانت ساعة الرولكس الذهبية في وسط مكتب المدير تلمع تحت ضوء الهالوجين كدليل إدانة. بالنسبة لهايز لم تكن ساعة فحسب بل فضيحة محتملة تمس أكبر متبرع للمدرسة.
الأدلة قاطعة قال وهو يتنهد ويفرك صدغيه. لم ينظر إلى أميرة بل إلى الأوراق التي يملؤها.
حيازة ممتلكات مسروقة. سرقة كبيرة. من الناحية التقنية نحن ملزمون بالاتصال بالشرطة.
اتصل بهم قالت أميرة بصوت متوتر. اتصل بالشرطة. سيفحصون بصمات الساعة. سيرون أنني لم ألمسها. سيتفقدون غرفة الملابس.
توقف هايز. كان كلامها منطقيا أكثر من اللازم. والمنطق خطير لأنه يقود إلى الحقيقة. والحقيقة ستزعج السيناتور ثورن.
نفضل معالجة هذه الأمور داخليا قال بنعومة مصطنعة. حفاظا على سمعتك. علينا الاتصال بوالديك.
اتصل بأبي قالت أميرة فورا. الجنرال دومينيك جونسون.
أملت عليهم الرقم خطا مباشرا إلى مركز قيادته. اتصل المدير ووضع المكبر. رن الهاتف. مرة اثنتان خمس عشر. حدقت أميرة في الهاتف تستجديه. أرجوك يا أبي لا تكن في اجتماع لا تكن في منطقة انقطاع
جاء الصوت الآلي
هذه خط آمن. المشترك غير متاح حاليا. يرجى قطع الاتصال.
أغلق هايز الخط بنقرة وعلى وجهه شفقة خافتة تخفي راحة عميقة.
غير متاح مرة أخرى قال بنبرة تشبه المحاضرة. تعلمين يا أميرة تحرينا عن الأمر. لا يوجد في ملفاتنا ما يثبت عمل الجنرال جونسون. فقط صندوق بريد.
هو في مهمة سرية قالت وصوتها بدأ يتشقق. لا يستطيع الرد دائما.
أو تسللت غارسيا إلى الحديث من زاوية الغرفة وصوتها كالزجاج المطحون
أو أنه لا يرد لأنه يعرف حقيقتك.
وقفت وتقدمت نحو المكتب. لم تنظر إلى الساعة بل إلى أميرة. كانت مستعدة لاستخدام سلاحها المفضل التحليل النفسي المسلح بالتحامل.
هذا السلوك كلاسيكي يا مدير هايز قالت وهي تشير إلى أميرة بإيماءة عامة. السرقة الكذب المرضي بخصوص رتبة الأب العدوانية كلها تعود لجذر واحد.
وما هو هذا الجذر يا سيدة غارسيا سأل المدير مشاركا في المسرحية.
غياب الأساس الأخلاقي في البيت قالت وهي تغرس عينيها في أميرة.
تحديدا غياب شخصية الأم. نرى هذا طوال الوقت في هذه الفئات. غالبا الأم غائبة مهملة أو ربما تخلت عن ابنتها. من دون أم تعلم الفتاة الرقة والتواضع ومكانها الطبيعي في المجتمع تصبح الفتاة متوحشة تسرق الأشياء اللامعة لتملأ فراغا تركه غياب حنان الأم.
تصلبت أميرة. خرج الهواء من رئتيها. لم يكونوا يعلمون لا يعرفون رائحة قسم الأورام في والتر ريد ولا الليالي التي قضتها تمسك دلوا بلاستيكيا بينما جسد أمها القوي يمزقه الكيماوي ولا تلك الليلة قبل ست سنوات حين أمسكت أمها الهزيلة بيدها وهمست كوني شجاعة يا جنديتي الصغيرة كوني طيبة. أمها لم تكن مهملة. كانت قديسة قاتلت الموت ثلاث سنوات لتراها تكمل الابتدائية.
تظنين أنك سرقت الساعة لأنك تحتاجين المال همست غارسيا عند أذنها.
لا. سرقتها لأن أمك لم تعلمك أنك لست أميرة. ربما لم تكن امرأة حقيقية أساسا ما دامت لم تستطع الاحتفاظ بزوج أو تربية ابنة تعرف الصح من الخطأ.
شيء ما انكسر في داخل أميرة. لم يكن قرارا. كان رد فعل. السد الذي بناه والدها من الانضباط العسكري لبنة فوق لبنة تحطم تحت ثقل الحزن والغضب. هبت واقفة بقوة. انقلب كرسيها للخلف يصطدم بالأرض.
اخرسي! صرخت أميرة. كان الصوت خاما بدائيا يمزق حنجرتها.
لا تتجرئي أن تتحدثي عنها.
ضربت كفيها على مكتب المدير بقوة وانحنت نحوه. انهمرت الدموع من عينيها حارة سريعة.
ماتت. ماتت بالسرطان. لم تتركني. الموت أخذها.
تراجع هايز إلى الخلف في كرسيه الجلدي مرعوبا من انفجار المشاعر هذا.
عنف! صرخت غارسيا متراجعة كأن أميرة أخرجت سكينا.
رأيت يا مدير هايز رأيت العدوانية هي غير مستقرة تهاجمنا.
أنا أدافع عن أمي! شهقت أميرة وصدرها يهتز.
لن تسمحي لك بتدنيس اسمها بفمك القذر.
يكفي قال هايز أخيرا وقد وجد صوته وإن كان يرتجف. أمسك قلمه.
يا آنسة جونسون انفجارك هذا يؤكد كل ما أبلغتني به السيدة غارسيا. سلوك عنيف تهديد للهيئة التدريسية وتدمير ممتلكات المدرسة.
وقع بسرعة على استمارة وردية كانت جاهزة أمامه منذ البداية.
أنت موقوفة عن الدراسة فورا ريثما تجتمع اللجنة للنظر في طردك نهائيا. أعطيني بطاقة الطالب الآن.
وقفت أميرة وهي تلهث والأدرينالين يتراجع تاركا فراغا باردا. نظرت إلى الراشدين أمامها الرجل المختبئ خلف مكتبه والمفترسة المختبئة خلف لآلئها. أدخلت يدها في جيبها. أخرجت بطاقة الهوية البلاستيكية الصورة الصغيرة التي تبتسم فيها كانت من أول يوم حين ظنت أن جيفرسون مكان للتعلم لا للمحاكمة. أسقطتها على المكتب فاستقرت قرب الرولكس.
احتفظوا بالبطاقة قالت هامسة بصوت ميت.
لكنكم لن تحطموا من أكون. والدي قادم وربكم يعينكم عندما يصل.
اخرجي قال المدير متجنبا النظر إليها.
قبل أن أستدعي الأمن.
استدارت وغادرت دون أن تنظر خلفها. عبرت المكتب الخارجي حيث نظرت إليها السكرتيرة بشفقة ثم دفعت الأبواب الثقيلة المؤدية إلى الخارج. ضربتها شمس الظهيرة كالمطرقة حارة مبصرة.
كانت وحدها. بلا مدرسة بلا اتصال بأبيها بلا ملاذ. بدأت تمشي في طريقها الطويل إلى البيت حذاؤها يحتك بالإسفلت الساخن. كانت مشغولة برنين أذنيها لدرجة أنها لم تلحظ سيارة رينج روفر السوداء المتوقفة عند زاوية موقف المدرسة.
عندما سلكت الممر الخلفي الخالي وراء الملعب دوى صوت المحرك. تحركت السيارة لتقطع طريقها. انزلقت لتقف عرضا تبعث غيمة غبار. سيارتان أخريان أغلقتا الخلفية. توقفت أميرة. أخذت نفسا عميقا. لا مخرج. ثلاثة خصوم. اثبتي.
فتحت الأبواب. خرج بريستون ثورن. لم يكن مبتسما. كان وجهه قناعا مشوها بالامتياز الغاضب. عن يمينه ويساره لاعبان عملاقان من خط الهجوم الهجومي معتادان على تنفيذ الأوامر بلا تفكير.
إلى أين يا سارقة سأل وهو يقترب ببطء. لم يسرع. كان يترصد.
راجعة للبيت يا بريستون قالت بثبات رغم ارتعاش يديها.
أنا موقوفة. فزت. انتهى الأمر.
أهذا فوز ضحك ضحكة جافة خالية من الفرح.
طردك مجرد أوراق. هذا ليس الفوز. الفوز الحقيقي عندما تتعلمين مكانك.
أشار إلى التراب أمام قدميه
اركعي.
حدقت فيه
ماذا
اركعي كرر بصوت أعمق.
اعتذري لأنك تحدثت معي في المقصف. اعتذري لأنك كذبت بشأن ساعتي. اعتذري لأنك موجودة في مدرستي. وربما ربما فقط لن أطلب من الشباب هنا أن يفتشوا حقيبتك عن مقتنيات مسروقة أخرى.
كان التهديد واضحا. نظرت أميرة إلى الشباب ثم إليه. رأته كما هو ليس أميرا بل طفلا خائفا من أن يكون عاديا.
أنت مثير للشفقة قالت بهدوء لكن كلماتها شقت الهواء كالسيف.
ماذا قلت تمتم مترددا.
سمعتني قالت وهي تقترب هذه المرة هي من اقتحم مساحته.
لديك كل شيء المال السيارات المدرسة المعلمون ومع ذلك أنت فارغ إلى درجة أنك تحتاج لتحطيم فتاة لا تملك شيئا لتشعر بأنك كبير. لست قائدا يا بريستون. أنت متنمر. ومن دون مال أبيك لتحميك أنت لا شيء.
ضربه هذا الحق أعنف من أي لكمة. احمر وجهه عرق صدغه يخفق. كان يتوقع التوسل البكاء لم يتوقع أن يواجه نفسه.
اخرسي همس.
هل يؤلمك تابعت وصوتها يرتفع بغضب اليوم كله.
هل يؤلمك أن تعرف أنه مهما اشتريت من ساعات لن تشتري شرفا وأنك لن تكون نصف الرجل الذي هو
صفعة. كان صوتها مرعبا. لم يرحم. وضع كل ثقله في كفه. دفعتها الضربة أرضا. سقطت على الحصى
راحات يديها تنجرحان من الحجارة الحادة. دارت الدنيا لحظة. رنين حاد ملأ أذنها. تذوقت طعم الدم على شفتها.
لا تتجرئي أن تتحدثي عني هكذا! صرخ بريستون وصوته يتشقق. كان يلهث قبضتاه مضمومتان.
يا كاذبة .
ظلت أميرة ممددة بلا حركة. رفعت يدها إلى شفتها نظرت إلى الدم على أصابعها. ثم رفعت عينيها إليه. لم تبك. نظرت إليه بنظرة شفقة مخيفة. تلك النظرة هي ما حطمه.
توقفي عن النظر إلي! صرخ. وركل حقيبتها. طارت الحقيبة أمتارا انفتحت السحابة وتناثرت كتبها وأوراقها. وانزلق من بين صفحات دفتر صورة صغيرة 57. كانت كل ما بقي لها من ذلك اليوم.
صورة لوالدها ببدلته العسكرية الزرقاء الرسمية والدتها بفستان صيفي وأميرة الصغيرة بينهما. مشى بريستون نحو الصورة. نظر إليها بازدراء
انظري لهذا. جندي مزيف وخادمة ميتة. إنسانة لا تستحق الاحترام.
رفع قدمه وداس الصورة يطحن ابتساماتهم تحت حذائه. خرج صوت مختنق من صدر أميرة. كانت هذه الضربة أقسى من الصفعة. كسرت قلبها. اندفعت على ركبتيها تحاول إنقاذ الصورة.
لا توقف.
مثيرة للشفقة تفل الكلمة.
نظرت حولها بيأس تبحث عن نجدة. وقعت عيناها على مبنى المدرسة الطوبي على بعد خمسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى