ابني قالي اتوقف عن زيارة شقته

كان نص الرسالة يقول
تمت محاولة تعديل بيانات المستفيد المسجل لقرض شقة أبراج دجلة. إذا لم تكن هذه العملية مصرحًا بها من قبلك، يرجى التواصل مع المصرف فورًا.
شعرت ببرودة تسري في صدري. لم تكن صدمة بقدر ما كانت تأكيدًا لشيء بدأت أشك فيه منذ فترة.
نظرت إلى سيف.
خفض عينيه قبل أن أنطق بكلمة واحدة.
أما مريم فتصرفت وكأنها لا تفهم شيئًا.
قالت بصوت مرتفع أكثر مما ينبغي
شنو هذا؟
أريتها شاشة الهاتف.
وقلت
شخص حاول يغيّر بيانات القرض. سيف… أنت سويت هذا الشي؟
مرر سيف يده على وجهه بتوتر.
يمّه… أني بس كنت أحاول أرتب الأمور.
ترتب الأمور؟ لو تحاول تشيل اسمي من كل الأوراق؟
عقدت مريم ذراعيها وقالت
خالتي، ما يصير تبقين مسيطرة على حياتنا بسبب عقد قديم. إذا ساعدتي ابنك فهذا الشي طبيعي. كل الأمهات يسوّن هيچ.
ضحكت بخفة.
لم تكن ضحكة فرح.
كانت ضحكة تعب.
قلت
غريب فعلًا. الأم تدفع لكن ما إلها حق تقعد بغرفة الضيوف. الأم تساعد لكن ما يصير إلها رأي. الأم تحوك بطانية لحفيدتها ويمكن بالمستقبل حتى ما يسمحون لها تشوفها براحتها. هذا مو دعم يا مريم… هذا حساب مصرفي شعره صار أبيض.
حاول سيف أن يتكلم.
لكنني رفعت يدي.
لا تستخدم كلمة يمّه حتى تلين موقفي. اليوم راح نحچي مثل الكبار.
سحبت ورقة أخرى من الملف.
كانت رسائل الاستعطاف التي كان يرسلها لي عندما يحتاج المال.
وصور التحويلات.
والتسجيلات الصوتية التي كان يكرر فيها
شهر واحد بس زيادة.
وفواتير الأثاث.
وحتى مستند بيع الأرض.
قلت
أبوك خلاك توقع على العقد لأنه كان يعرف أني ممكن أخلط بين الحب والإنقاذ. هو كان يحميني من نفسي.
جلس سيف على الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.
قال بصوت خافت
ما كنت أريد أنكر فضلك.
نظرت إليه مباشرة.
بلى. أنكرته. مو يوم ألغيت القسط. أنكرته يوم سمحت لزوجتك تعتبرني متطفلة داخل بيت كنت أنا أسنده. أنكرته يوم استحيت من وجودي وما استحيت من تضحياتي.
وقفت مريم بغضب.
أني مو مجبرة أسمع هذا الكلام.
إذن لا تسمعيه.
ثم أكملت
لكن قبل ما تطلعين، اسمعي زين. من اليوم ما راح أدفع دينار واحد إضافي. إذا تريدون الشقة، تتحملون القسط كامل ورسوم الصيانة وكل الالتزامات. وإذا ما تقدرون، تنباع الشقة ويرجع إليّ حقي حسب العقد.
نظر إليّ سيف وكأنني تحولت فجأة من أم إلى مؤسسة مالية.
وللمرة الأولى فهم كيف كان يعاملني طوال تلك السنوات.
قال
يمّه… راح نخسر الشقة.
أجبته بهدوء
لا يا ولدي. أنتم راح تخسرون ميزة أني أدفع ثمنها عنكم. وهذا فرق كبير.
أطلقت مريم ضحكة متوترة.
وقالت
مستحيل تسوينها. حفيدتج عايشة هناك.
تألمت فعلًا عند سماعها تلك الكلمات.
تذكرت البطانية الصفراء الموجودة في غرفتي.
لكنني أدركت أيضًا ما تحاول فعله.
كانت تستخدم الطفلة حتى أبقى أدفع.
قلت
حفيدتي ما إلها ذنب بأي شي. ولهذا السبب راح أبقى جدتها دائمًا. لكن ما راح أمول غرور أهلها حتى أثبت حبي إلها.
فتحت مريم فمها لترد.
لكن سيف قاطعها
كافي يا مريم.
التفتت إليه بصدمة.
كافي شنو؟ راح تخليها تاخذ كل شي من عدنا؟
لم يجبها.
بقي ينظر إلى العقد الموقع باسمه وتوقيع والده الراحل.
في نفس اليوم اتصلت بالمصرف وأكدت أنني لم أوافق على أي تعديل.
بعدها تواصلت مع الأستاذ حيدر، المحامي الذي كان يساعد زوجي قبل وفاته.
جاء عصرًا إلى منزلي.
كان سيف ما يزال هناك.
راجع جميع الأوراق ثم قال بوضوح
العقد صحيح وقانوني بالكامل. ومحاولة تعديل البيانات بدون موافقة قد تسبب مشاكل أكبر. ومن حقج المطالبة بحقج المالي أو استرداد مساهمتج أو حتى المطالبة ببيع العقار.
رفع سيف رأسه.
يعني أمي تكدر تقاضيني؟
أجاب المحامي دون تردد
كان بإمكانها تسوي هذا من زمان. لكنها كانت تحاول تحميك.
عندها بكى سيف.
ليس كبكاء طفل.
بل كرجل اكتشف متأخرًا حجم أخطائه.
وقال
كنت أتصور أن الأمور راح تتحسن. وأن الترقية راح تجي. وأن مريم راح تساعد. وأن…
قاطعته
وأني راح أبقى أتحمل كل شي إلى أن تستقرون؟
خفض رأسه.
نعم.
كانت تلك أول مرة يؤلمني فيها صدقه أقل من أعذاره.
وفي تلك اللحظة عادت مريم إلى الغرفة وقالت دون أن تنتبه إلى وجود المحامي
أبوي يكول لا تدفعون أي شي. وإذا تريد مشكلة خلي تسوي مشكلة. بالنهاية الشقة باسم سيف وتكدرون تعتبرون الفلوس مجرد مساعدة عائلية.
رفع المحامي رأسه فورًا.
وقال
شكرًا يا مريم. من الجيد أننا سمعنا هذا الكلام.
شحبت ملامحها فورًا.
ومع مرور الأسابيع بدأت حرب صامتة.
سيف توقف عن طلب المال.
لكن مريم استمرت بإرسال الرسائل.
مرة تتهمني بأنني أخرب زواجهما.
ومرة تقول إن جدّة حقيقية لا تتصرف هكذا.
ومرة تكتب أن زوجي الراحل لو كان حيًا لخجل مني.
لم أرد على أي رسالة.
كنت أحتفظ بها كلها.
تمكن سيف من دفع قسط متأخر.
ثم جزء من قسط آخر.
وبدأ يبيع ما يستطيع بيعه.
باع الأثاث الجديد.
ثم الساعة التي أهديتها له قبل سنوات.
ثم الحقيبة الفاخرة التي كانت مريم تتمسك بها يوم جاءت إلى منزلي.
وبعد شهر تقريبًا، جاء سيف وحده.
كانت حفيدتي نائمة بين ذراعيه.
ناولني إياها دون أن يتكلم.
حملتها ونسيت كل غضبي لثوانٍ.
فالحب الصغير لا يفهم شيئًا عن الأقساط والعقود.
جلس سيف مقابلي.
وقال
مريم راحت لبيت أهلها. تكول ما تزوجت حتى تعيش بضيق مادي.
تنهدت ببطء.
ثم سألته
وأنت شتريد؟
صمت طويلًا قبل أن يجيب
ما أريد أخسر الشقة. ولا بنتي. ولا أنتِ.
نظرت إلى البطانية الصفراء التي أصبحت مكتملة.
وقلت
إذن ابدأ بأن لا تعتبرني حلًا تلقائيًا لكل مشكلة.
وفي تلك اللحظة وصلته رسالة من رقم مجهول تحتوي صورة.
كانت مريم جالسة داخل مكتب كاتب عدل وبجانبها والدها.
وتحت الصورة عبارة تقول
تأكد إذا كان سيف يعرف أن زوجته حاولت استخدام الشقة كضمان لدين يخص مشروعًا
—
عائليًا.
قرأ سيف الرسالة أكثر من مرة.
وتبدلت ملامحه بالكامل.
ثم بدأت الحقيقة التي لم يكن يتوقعها بالظهور…
قرأ سيف الرسالة ثلاث مرات.
كنت أراقب ملامحه وهي تتبدل أمامي؛ في البداية شك، ثم خجل، ثم خوف حقيقي.
كانت الصورة واضحة جدًا.
مريم تجلس داخل مكتب كاتب عدل، وإلى جانبها والدها، وأمامهما مستند يظهر فيه رقم شقة أبراج دجلة بشكل واضح.
هزّ سيف رأسه بعدم تصديق.
مستحيل… مريم ما عندها صلاحية قانونية تسوي هيچ.
قلت بهدوء
يمكن ما عندها صلاحية، لكن عندها نسخ من أوراقك كلها. وأنت بنفسك خليتها توصل لكل شيء.
في اليوم التالي أكد لنا الأستاذ حيدر ما كنا نخشاه.
لقد حاولت مريم مع والدها استخدام الشقة كضمان لدين يخص مشروعهم العائلي.
قدموا أوراقًا ناقصة، وأرفقوا كتابًا مزورًا يظهر وكأن سيف موافق على العملية.
التوقيع كان يشبه توقيعه فعلًا.
لكن سيف أقسم أنه لم يوقع على أي شيء من هذا النوع.
ولأول مرة في حياته شعر بما يشعر به الإنسان عندما يستخدم شخص ثقته كسلاح ضده.
هذه المرة لم يطلب مني أن أنقذه.
طلب مني
أن أرافقه.
وهذا كان مختلفًا تمامًا.
ذهبنا معًا إلى المصرف.
ثم إلى كاتب العدل.
ثم إلى الجهات المختصة لتقديم بلاغ بمحاولة التزوير والاحتيال.
أنا حملت الملف البني المعتاد.
أما سيف فحمل ملفًا جديدًا خاصًا به.
كان مرتبكًا وغير منظم، لكن المهم أنه أصبح يتحمل مسؤوليته بنفسه.
عندما علمت مريم بما حدث انفجرت غضبًا.
اتصلت بي لتتهمني بأنني أسيطر على ابنها.
وقالت إن الأم الحقيقية تجمع العائلة ولا تفرقها.
أجبتها مرة واحدة فقط
العائلة ما تنبني على التواقيع المزورة، ولا على الأقساط اللي يدفعها شخص ممنوع حتى من دخول البيت.
ثم أغلقت الخط وحظرت رقمها.
لم يصمد زواج سيف طويلًا بعد ذلك.
ولم تكن الشقة وحدها السبب.
كانت فقط الضوء الذي كشف ما كان مخفيًا.
ظهرت ديون بطاقات ائتمانية لم يكن يعلم عنها شيئًا.
وظهرت مشتريات مخفية.
وقروض أُخذت باسمه أو بالاعتماد على اسمه.
وظهرت رسائل بين مريم ووالدها ينصحها فيها بالصبر على حماتها طالما أنها مستمرة بالدفع.
عرض عليّ سيف تلك الرسائل وهو يبكي.
لم أقل له
ألم أقل لك؟
هناك كلمات تبتلعها الأم لأنها لم تعد تفيد أحدًا.
اكتفيت بالقول
الآن عرفت الحقيقة… المهم شراح تسوي بعدها.
في النهاية تقرر عرض الشقة للبيع.
وكان القرار قرار سيف نفسه.
تألم كثيرًا.
وأنا أيضًا تألمت.
كنت أتخيل حفيدتي وهي تتعلم المشي في تلك الشقة.
كنت أتخيل البطانية الصفراء فوق تلك الأريكة.
وكنت أتخيل زيارات الأحد العائلية.
لكن البيت الذي يقوم على الديون والاستغلال والمرارة لا يتحول إلى منزل حقيقي مهما كان جميلًا.
بعد بيع الشقة سُدد القرض بالكامل.
ودُفعت الغرامات المتأخرة.
واستعدت جزءًا كبيرًا من الأموال التي دفعتها.
ليس كلها.
فالمال الذي يخرج متخفيًا بثوب الحب لا يعود كاملًا غالبًا.
لكن ما عاد كان كافيًا.
رممت منزلي.
وتابعت علاجي الذي كنت أؤجله.
وأمنت لنفسي مستقبلًا أكثر استقرارًا.
أما سيف فاستأجر شقة أصغر بالقرب من مكان عمله.
في البداية كان يشعر بالخجل كلما زرته.
ليس لأن وجودي يزعجه.
بل لأنه أصبح يرى أخيرًا حجم ما تحملته عنه طوال السنوات الماضية.
في أحد الأيام ذهبت لأوصل بعض الدواء لحفيدتي.
فتح الباب وقال
يمّه، تفضلي… سويت قهوة.
بقيت واقفة لثوانٍ.
قد تبدو جملة بسيطة.
لكنها بالنسبة لي كانت اعتذارًا كاملًا بلغة مختلفة.
دخلت.
كانت غرفة الجلوس تحتوي على كرسيين وطاولة متواضعة وبعض ألعاب الأطفال المبعثرة على الأرض.
لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الرفاهية.
لكن كان هناك شيء أهم.
كان هناك احترام.
في البداية حاولت مريم استخدام التهديدات في قضية الحضانة.
لكن عندما ظهرت ديونها ومشكلاتها المالية خلال الإجراءات القانونية، وافقت في النهاية على اتفاق مشترك.
أصبحت حفيدتي تقضي وقتها بين والديها.
أما أنا فتعلمت درسًا مهمًا.
محبة الأبناء الكبار لا تعني أن تعيش حياتهم بدلًا عنهم.
كنت أساعد حفيدتي عندما أستطيع وعندما أرغب.
لا عندما يُطلب مني ذلك وكأنه واجب مفروض.
أما سيف، فإذا احتاج شيئًا، أصبح يطلبه بوضوح واحترام.
وأحيانًا كنت أوافق.
وأحيانًا أرفض.
ولم ينهَر العالم بسبب ذلك.
أما البطانية الصفراء فقد وصلت أخيرًا إلى صاحبتها الصغيرة.
ليس في شقة أبراج دجلة.
بل في منزلي.
في عصر هادئ كانت حفيدتي نائمة فوق صدري، بينما كان سيف يغسل الصحون في المطبخ.
راقبته للحظات.
وفكرت بزوجي الراحل.
لقد رأى ما لم أكن أريد الاعتراف به.
كان يعرف أن ابننا طيب القلب.
لكنه أحيانًا متساهل.
ومحب.
لكنه قد يستغل من يحبه دون أن يشعر إذا لم يجد حدودًا واضحة.
العقد الذي أجبره على توقيعه قبل وفاته لم يكن بسبب عدم الثقة.
بل كان آخر طريقة لحمايتي.
بعد عدة أشهر اعتذر لي سيف.
لم يكن هناك مشهد درامي.
ولا موسيقى.
ولا عناق سينمائي.
كنا فقط نقف عند صندوق المحاسبة في أحد المتاجر.
كان يحمل الأكياس الثقيلة بدلًا عني.
ثم قال فجأة
آسف لأنني جعلتك تشعرين أنكِ شخص زائد عن الحاجة.
شعرت بغصة في حلقي.
وقلت
هذا آلمني أكثر من كل الأموال التي طلبتها مني.
خفض رأسه.
أعرف.
ابتسمت بحزن.
لا يا ولدي… أنت فقط بدأت تفهم الآن.
هز رأسه بصمت.
واستمر في حمل الأكياس.
واليوم لم أعد أحول الأموال تلقائيًا لأي شخص.
أساعد عندما أريد.
وأرفض عندما أرى أن الرفض هو التصرف الصحيح.
مالي لم يعد يشتري مكانًا لا أُرحب فيه.
وحبي لم يعد يُقاس بالأقساط الشهرية.
سيف ما زال يعيد بناء حياته خطوة خطوة.
ومريم ستبقى والدة حفيدتي، ولذلك أعاملها باحترام… لكن ليس بثقة.
أما أنا، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، عدت أحوك الصوف دون أن أشعر أن كل غرزة هي دين جديد عليّ سداده.
طلب مني ابني يومًا أن أتوقف عن زيارة شقته لأن زوجته كانت تريد خصوصية أكبر.
استمعت إليه.
توقفت عن الزيارة.
وتوقفت عن جلب الطعام.
وتوقفت عن تفقد احتياجاتهم.
وتوقفت أيضًا عن دفع أقساط الشقة.
لأن الأم
—
تستطيع أن تحب كثيرًا.
لكنها ليست ملزمة أبدًا بتمويل الإهانة.
أحيانًا يكون الحدّ الذي يؤلم أكثر من غيره هو نفسه الحدّ الذي يعلّم الدرس الذي لا يُنسى.
وفي تلك الليلة، عندما ألغيت التحويل الشهري، لم أحرم ابني من بيت.
بل حرمته من الوهم الذي جعله يعتقد أنه يستطيع إبعادي عن باب منزله، والإبقاء عليّ قريبة من حسابه المصرفي في الوقت نفسه.
اتصل بي ابني يطلب مني أن أتوقف عن زيارة شقته لأن زوجته تحتاج إلى بعض الخصوصية… أجبته بهدوء أنني لن أزعجهما بعد اليوم. وما إن أغلقت الهاتف حتى ألغيت التحويل الشهري البالغ مليونين وثلاثمئة ألف دينار عراقي، وهو المبلغ الذي كنت أدفعه منذ عامين لتسديد أقساط الشقة التي أصبحت، بحسب رأيهما، مكانًا لا يحق لي حتى الجلوس في غرفة ضيوفه. رنّ هاتفي عند الساعة التاسعة مساءً، بينما كنت أطوي بطانية صغيرة صفراء اللون كنت أحوكها لحفيدتي القادمة. ظهر اسم ابني على الشاشة. سيف. ابتسمت تلقائيًا. في الماضي، كان مجرد اتصال منه يملأ قلبي فرحًا. كنت أظن أنه يريد الاطمئنان عليّ، أو ربما يحتاج إلى وصفة طعام، أو نصيحة، أو حتى زيارة قصيرة. لكن في الفترة الأخيرة، صار لكل اتصال سبب واحد فقط. طلب مال. مرة لتأمين السيارة. ومرة لتغطية قسط متأخر. ومرة لشراء أثاث جديد لأن زوجته مريم كانت تقول إن بيت أهلها اعتاد مستوى مختلفًا. ومع ذلك، أجبت. أهلًا يمّه. في الجهة الأخرى سمعت موسيقى هادئة، وأصوات صحون وملاعق، وضحكات مريم. كانا على الأغلب يتناولان العشاء في أحد المطاعم الراقية في أربيل، بينما كنت أجلس وحدي في بيتي القديم ببغداد، أتناول الخبز المحمص مع الشاي كوجبة عشاء. قال سيف دون مقدمات يمّه، أريد أطلب منك طلب. تفضل. لا تجين للشقة هذا الأسبوع. تجمدت يداي فوق البطانية. خير؟ صار شي؟ تنهد وكأنني مشكلة يصعب شرحها. مريم منزعجة شوية. تقول إنك تجين كثير، وتجيبين أكل، وتدخلين للمطبخ، وتتأكدين إذا ناقصهم شي. هي تريد تحس أن البيت بيتها. بيتها. كررت الكلمة في داخلي بصمت. هذه الشقة اشتُريت بالمبلغ الذي حصلت عليه عندما بعت قطعة الأرض التي تركها لي زوجي رحمه الله. أما الأقساط الشهرية فكانت تُسحب من حسابي أنا، لأن سيف أقسم لي أنه يحتاج فقط إلى دفعة مؤقتة ريثما يتحسن وضعه الوظيفي. دفعة مؤقتة استمرت سبعة وعشرين شهرًا. قلت بهدوء فهمت. ساد الصمت للحظات. ربما كان ينتظر أن أجادله أو أرجوه أن يسمح لي بالزيارة. ثم قال يمّه لا تزعلين. أنتِ عشتِ حياتك، وإحنا نريد نعيش حياتنا. نظرت إلى البطانية الصغيرة. كانت ما تزال بحاجة إلى كمّ واحد فقط. قلت أكيد يمّه. بعد ما أزعجكم. قال مرتاحًا كنت أعرف أنك راح تفهمين. ثم أغلق الخط. دون أن يسألني إن كنت قد تناولت طعامي. دون أن يسأل عن ضغطي. دون أن يتذكر موعد الطبيب الذي أجلته لأنني كنت أحاول تدبير مبلغ قسطهما لذلك الشهر. جلست في مكاني طويلًا أستمع إلى صمت البيت. لم أبكِ. الأم حين تنكسر مرة واحدة تبكي. لكن حين تنكسر على مدى سنوات طويلة، يأتي وقت لا تخرج فيه الدموع. يبقى فقط هدوء بارد جدًا. نهضت واتجهت إلى غرفتي. أخرجت ملفًا بنيًا من الدرج الذي أحتفظ فيه بالأوراق المهمة. كل شيء كان موجودًا بداخله. إيصال الدفعة الأولى. كشوفات التحويلات الشهرية. رسوم الصيانة. التأمين. حتى فواتير الأثاث الذي كانت مريم تتفاخر به أمام الناس وكأنها اشترته من راتبها الخاص. فتحت تطبيق المصرف. ظهر أمامي تحويل مجدول قسط شقة أبراج دجلة 2300000 دينار عراقي اليوم الخامس من كل شهر. وضعت إصبعي فوق خيار الإلغاء. سألني النظام هل أنت متأكدة؟ نعم. أكدت العملية ببصمة الإصبع. بعدها جمعت خيوط الحياكة. وضعت البطانية غير المكتملة داخل كيس. ثم فتحت المجمد وأخرجت أوعية الشوربة والمرق وكبة اللحم التي كنت أنوي أخذها إليهما يوم الأحد. أفرغتها كلها في المغسلة. واحدًا تلو الآخر. ليس غضبًا من الطعام. بل لأنني أدركت أخيرًا أنني لم أعد مستعدة للاستمرار في إعالة بيت أصبحت فيه زائدة عن الحاجة، بينما بقي مالي مرحبًا به. بعد ثلاثة أيام اتصل سيف عند السادسة صباحًا. لم أجب. ثم بدأت الرسائل تتوالى. يمّه ليش رجع القسط؟ المصرف فرض علينا غرامة تأخير. مريم تبچي وتكول هذا راح يأثر على سجلنا المصرفي. إحنا طلبنا مساحة خاصة مو توقفين مساعدتنا. عند الثامنة صباحًا دوّى طرق قوي على باب منزلي. فتحت الباب بهدوء. كان سيف واقفًا أمامي بثياب غير مرتبة وأزرار قميصه مغلقة بشكل خاطئ، والهلع واضح على وجهه. وخلفه كانت مريم، نصف زينتها فقط على وجهها، تحتضن حقيبة فاخرة إلى صدرها. قال سيف بانفعال يمّه شسويتي؟ شلون تلغين القسط بدون ما تخبرينا؟ نظرت إليه بهدوء. أخبركم أني بطلت أدفع ثمن بيت وجودي بيه مزعج؟ ضغطت مريم شفتيها وقالت خالتي، لا تكبرين الموضوع. الخصوصية موضوع، وتركنا نغرق موضوع ثاني. تقدمت نحو الطاولة. وضعت الملف البني أمامهما. وقلت زين، خل نحچي بصراحة. هاي كل الدفعات السبعة والعشرين. والدفعة الأولى. والتأمين. والأثاث. ورسوم الصيانة. كل فلس مدفوع موجود هنا. ابتلع سيف ريقه بصعوبة. يمّه… إحنا أهل.
ابتسمت بحزن. لا يمّه. يوم طلبت مني ما أجي، وضحت لي أن هاي حياتكم الخاصة. وأنا فقط احترمت رغبتكم. فتحت مريم الملف. وبدأت تقلب الأوراق. ثم شحب لون وجهها عندما رأت الأرقام. قالت بصوت مرتجف بس الشقة باسم سيف… قلت مو بالكامل. ثم سحبت آخر ورقة من الملف. كانت اتفاقية القرض الخاصة التي وقعها ابني قبل سنوات. وثيقة تنص بوضوح على أن مبلغ الدفعة الأولى لم يكن هدية، بل دينًا مستحقًا، وأن من حقي قانونيًا المطالبة بالنسبة المقابلة من العقار إذا أنكر مساهمتي أو توقف عن الوفاء بالتزاماته. تجمد سيف في مكانه. وقال بصوت خافت أبويه خلاني أوقع عليها قبل ما يتوفى… هززت رأسي. أبوك كان يعرفك أكثر مما كنت أريد أن أصدق. ألقت مريم حقيبتها على الكرسي بعصبية. وقالت هذا تهديد. رفعت نظري إليها لأول مرة دون أي مجاملة. وقلت لا يا مريم. التهديد كان لما فهمتوني أن وجودي ثقيل داخل بيت أدفع ثمنه. أما هذا… فيُسمى نتيجة. وفي تلك اللحظة بالذات، وصل إشعار إلى هاتفي من المصرف… الجزء الثاني… الرسالة التي ظهرت على شاشة الهاتف قلبت ملامح سيف ومريم في لحظة واحدة.







