في حفل تخرج ابنتي

في حفل تخرج ابنتي ، تجاوزتني أمام الجميع ومدّت ذراعها إلى عامل المدرسة بدلًا مني… شعرت بالإهانة حتى أخرج الرجل ظرفًا قديمًا من جيبه وقال أمها توسلت إليّ أن أفعل هذا.
……
بدأ الرجل يفتح الرسالة.
وفي اللحظة التي وقعت عيناي على أول سطر منها…
توقفت أنفاسي.
كان الورق قديمًا ومصفرًا عند أطرافه، ومطويًا بعناية شديدة، كأن يدًا ظلت تحافظ عليه طوال سنوات طويلة خوفًا من أن تتمزق الكلمات التي كُتبت عليه.
رفع الرجل الرسالة أمام الميكروفون، لكن عينيه بقيتا معلقتين بي.
ثم قال بصوت مرتجف:
«زوجي العزيز…»
تجمدت.
لم أعد أسمع همسات الحاضرين من حولي، ولا صوت الريح، ولا حتى صوت الفرقة التي توقفت عن العزف.
كان صوت زوجتي وحده يملأ رأسي.
زوجتي التي ماتت منذ ثمانية عشر عامًا.
زوجتي التي لم أسمع صوتها منذ اليوم الذي ماتت فيه وهي تضع ابنتنا بين ذراعي.
ابتلعت
ريقي بصعوبة.
كيف يمكن أن تكون قد كتبت لي رسالة لم أعرف بوجودها؟
واصل الرجل القراءة:
«إذا كنت تسمع هذه الكلمات، فهذا يعني أن ابنتنا كبرت، وأنني أوفيت بوعدي الذي قطعته في اليوم الذي وُلدت فيه.»
أغمضت عيني للحظة.
ابنتنا.
لم تكن الرسالة مجرد ورقة قديمة.
كانت صوتها.
صوت المرأة التي أحببتها، والذي ظننت أنني فقدته إلى الأبد.
فتح الرجل الرسالة أكثر، ثم قال:
«أعرف أن أول سؤال سيأتي إلى ذهنك هو: كيف طلبت منك أن تفعل شيئًا بعد موتي؟ والإجابة أنني لم أطلب منك أن تفعل شيئًا من أجلي… بل فعلت ذلك من أجل ابنتنا.»
نظرت إلى ليان.
كانت واقفة إلى جوار الرجل، ودموعها تنساب على خديها، لكنها لم تبعد عينيها عنه.
ثم تابعت الرسالة:
«قبل ولادة ليان بأشهر، وجدت بين أوراق والدتك القديمة صورة لطفل صغير، وكانت خلفها ملاحظة تحمل اسمًا لم أسمعه من قبل. بدأت أبحث،
حتى وصلت إلى رجل اسمه عماد.»
توقفت أنفاسي.
رفع الرجل عينيه عن الرسالة للحظة.
ثم قال:
«كان اسمه عماد.»
تجمدت.
عماد.
نظرت إلى الرجل الواقف بجوار ابنتي.
للمرة الأولى منذ عرفته، لم أره عامل المدرسة الذي كان يحييني كل صباح.
نظرت إلى وجهه.
إلى عينيه.
إلى الندبة الصغيرة عند ذقنه.
إلى انحناءة فمه.
وشعرت بشيء قديم يتحرك في ذاكرتي.
صورة.
صورة قديمة جدًا.
كانت لأمي.
وكان يقف بجوارها طفل صغير.
لكنني لم أكن أملك صورة واضحة له.
واصل عماد القراءة:
«في البداية، لم يخبرني عماد بكل شيء. كان قد جاء إلى هذه المنطقة بعدما عرف أن له عائلة هنا، لكنه لم يكن يملك الشجاعة ليطرق بابك.»
شعرت بأن أصابعي بدأت ترتجف.
«سألته لماذا، فقال إنه عاش سنوات طويلة وهو يعتقد أن عائلته لا تريده، وأنه لا يعرف إن كان ظهوره في حياتك سيمنحك شيئًا أم سيهدم
ما بنيته.»
توقفت.
حدقت في عماد.
«عائلته؟»
خرجت الكلمة من فمي دون أن أشعر.
رفع رأسه ببطء.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
ثم أعاد نظره إلى الرسالة.
«كان أخوك.»
لم أعد أشعر بقدمي.
أخي؟
ترددت الكلمة في رأسي كأنها صدى بعيد.
أخي الذي لم أعرف بوجوده؟
أخي الذي كان يقف أمامي طوال تلك السنوات؟
أخي الذي كنت أراه كل صباح تقريبًا، وأمر بجانبه في ممرات المدرسة، ثم رأيته لاحقًا في كل مناسبة تخص ابنتي…
ولم أعرفه؟
تابع عماد:
«كانت أمك قد أعطته لأسرة أخرى قبل ولادتك بسنوات، ولم تتحدث عنه أمامك إلا مرة واحدة، ثم خافت أن تخبرك بالحقيقة كاملة.»
اتسعت عيناي.
تذكرت أمي.
تذكرت مساءً قديمًا، كنت فيه في السابعة عشرة، حين قالت لي فجأة:
«كان هناك طفل قبلك.»
كنت قد ظننت أنها تقصد شيئًا آخر.
لم أسأل.
لم أضغط عليها.
وتركت تلك الجملة
تموت معها.
أما الآن…
فقد عادت إليّ بكل وضوح.
واصل عماد القراءة:
«عندما أخبرتني زوجتك بحقيقة عماد، طلبت منه ألا يقترب منك. لم تكن تريد أن تفتح أمامك بابًا من الماضي وأنت تستعد لاستقبال طفلتنا، ثم تخسرها أنت أيضًا في اليوم نفسه الذي تخسرني فيه.»
شعرت بقبضة تعتصر صدري.
ثم تابع:
«لكنها لم تطلب منه أن يرحل.»
